محمد حسين علي الصغير

72

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

ففي هذا الأنموذج الأعلى عدة استعمالات مجازية تدور حول هذا الفلك ، فقد وصف القرية بكونها آمنة مطمئنة ، وقد علم بالضرورة أن الأمن والاطمئنان لا تتصف بهما مرافق القرية وجدرانها ، وإنما يتنعم بهما أهلها وسكانها ، فعبر مجازا عن طريق إطلاق اسم المحل وهو القرية على الحال فيها وهم الأهل والساكنون . وعبر عن الرزق بأنه يأتي ، والرزق ليست له حركة ولا إرادة في التنقل والقصد ، وإنما اللّه تعالى هو الذي يسخر من يجلب الأرزاق ، ويأتي بها - وهو الرزاق ذو القوة المتين - من كل مكان إلى هذه القرية تعبيرا عن تنعمها وعيشها الرغيد ، فكان الرزق يقصدها سائرا متوافرا . إن الذائقة الفنية تقتضي تتبع شذرات القرآن الكريم في هذا العطاء الضخم ، لأنه يمثل الحس العربي الأصيل ، والإرادة الاستعمالية المتطورة ، والمناخ الفني المضيء ، ففي ذلك تكمن القدرة الخارقة في استيحاء التلازم الذهني ، بين الأصل والفرع في الاستعمال ، والترابط البياني في الانتقال من معنى إلى معنى ، والتوسع في دلالات الألفاظ ، إفصاحا عن المشاعر ، وتعبيرا عن العواطف ، وصيانة للغة والتراث .